أحمد بن علي القلقشندي

155

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ولما كان فلان هو الَّذي اخترناه لذلك على علم ، ورجّحناه لما اجتمع فيه من سرعة يقظة وأناة حلم ، وندبناه في مهمّاتنا الشريفة فكان في كلّ موطن منها سيفا مرهفا ، واخترناه فكان في كلّ ما عدقناه به بين القويّ والضّعيف منصفا ، وعلمنا من معرفته ما يستثير الأموال من مكامنها ، ومن نزاهته ما يظهر أشتات المصالح من معادنها ، ومن معدلته ما يمتّع الرعايا باجتناء ثمر المنى من إحسان دولتنا القاهرة واجتلاء محاسنها - اقتضت آراؤنا الشريفة أن نحلَّي جيد تلك الرتبة بعقود صفاته الحسنة ، وأن ننبّه على حسن هممه التي ما برحت تسري إلى مصالح الدولة القاهرة والعيون وسنة . فلذلك رسم أن يفوّض إليه ذلك تفويضا يبسط في مصالح الأموال لسانه ويده ، ويقصر على مضاعفة ارتفاع الأعمال يومه الحاضر وغده ، ويحسّن بسدّ الخلل وتتبّع الإهمال مصدره الجميل ومورده ؛ ويجعل [ له ] ( 1 ) في مصالحها العقد والحلّ ، والتّصرف النافذ في كلّ ما دقّ من الأموال الدّيوانية وجلّ . فليباشر ذلك بهمّة علمنا في الحق مواقع سيفها ، وأمنّا على الرعايا بما اتّصفت به من العدل والمعرفة من مواقع حتفها ، وأيقظت العيون الطَّامحة لسلوك ما [ لا ] ( 2 ) يجب بما لم تزل تتخيّله من روائع طيفها ، وليثمّر الأموال بالجمع في تحصيلها بين الرّغبة والرّهبة ، ويجعل ما يستخرج منها ببركة العفّة والرّفق : * ( كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ) * ( 3 ) وليعفّ أثر الحمايات ورسمها ، ويزل بالكلَّية عن تلك الممالك الحسنة وسمها القبيح واسمها ، وليكن مهمّ الثغور هو المهمّ المقدّم لديه ، والنّظر في كلف القلاع المحروسة هو الفرض المتعيّن أداؤه عليه ، فيحمل إليها من الأموال والغلال ما يعمّ حواصلها المصونة ، ويكفي رجالها الفكر في المؤونة ، ويضاعف ذخائرها التي تعدّ من أسباب تحصينها ، ويصبح به حمل عامها الواحد كفاية ما يستقبله

--> ( 1 ) الزيادة من الطبعة الأميرية . ( 2 ) الزيادة من الطبعة الأميرية . ( 3 ) البقرة / 261 .